ابن العربي

351

أحكام القرآن

أما رجوعه إلى الوصية فبوجهين : أحدهما - بأن يزيد على الثلث . الثاني - بأن يوصى لوارث فأما إن زاد على الثلث فإنه يردّ إلا أن يجيز الورثة ؛ لأنّ المنع لحقوقهم لا لحقّ اللّه . وأما إن أوصى إلى وارث فإنّ الورثة يحاصّون « 1 » به أهل الوصايا في وصاياهم ، ويرجع ميراثا . وقال أبو حنيفة والشافعي : تبطل ، ولا يقع به تحاصّ ، ونظرهما بيّن في إسقاط ما زاد على الثلث لبطلانه . ومطلع نظر مالك أعلى ؛ لأنا نتبيّن بوصيته للوارث مع سائر الوصايا أنه أراد تنقيص حظّ الوصايا وتخصيص وارثه ، فإن بطل أحد القصدين ، لأنّ الشرع لم يجوّزه ، لم يبطل الآخر ؛ لأن الشرع لم يمنع منه . وقد بيناه في مسائل الخلاف ، فيردّ ما أبطل الشرع ويمضى ما لم يعترض فيه . وأما رجوع المضارّة إلى الدّين فبالإقرار في حالة لا يجوز فيها لشخص الإقرار له به ، كما لو أقرّ في مرضه لوارثه بدين أو لصديق ملاطف له ، فإنّ ذلك لا يجوز عندنا إذا تحققنا المضارّة بقوة التهمة ، أو غلب على ظننا . وقال أبو حنيفة : يبطل الإقرار رأسا . وقال الشافعي : يصحّ . ومطلع النظر أنّا لمحنا أنّ الموروث لما علم أنّ هبته لوارثه في هذه الحالة أو وصيّته له لا تجوز ، وقد فاته نفعه في حال الصحة عمد إلى الهبة فألقاها بصورة الإقرار لتجوّزها ؛ ويعضد هذه التهمة صورة القرابة وعادة الناس بقلة الديانة . ومطلع نظر أبي حنيفة نحو منه ؛ لكنه ربط الأمر بصفة القرابة حين تعذّر عليه الوقوف على التهمة ، كما علقت رخص السفر بصورة السفر حين تعذّر الوقوف على تحرير المشقة ووجودها . وراعى الشافعىّ في نظره أنّ هذه حالة إخبار عن حقّ واجب مضاف إلى سبب جائز في حالة يؤمن فيها الكافر ، ويتّقى فيها الفاجر ، ويتوب فيها العاصي ، فأمضاه عليهم ، وجوّزه . فإن قال : الإقرار حجة شرعية فلا يؤثّر فيها المرض . قلنا : وإن كان الإقرار حجّة شرعية [ فإنّ الهبة صلة شرعية ] « 2 » ، ولكن حجرها المرض .

--> ( 1 ) حاصوا : اقتسموا حصصا ( اللسان ) . ( 2 ) ليس في ل .